
الذكاء الاصطناعي المتحيز.. من يكتب التاريخ غداً؟
إن خطورة الذكاء الاصطناعي المتحيز لا تتوقف عند حدود تقديم إجابة خاطئة أو منحازة اليوم، بل تكمن في قدرته على إعادة كتابة تاريخ الإنسانية برمتها، وتثبيت سردية المنتصر أو المسيطر على التكنولوجيا باعتبارها الحقيقة المطلقة الوحيدة.
أسعد سالم
باحث ومتخصص في الأمن السيبراني
هل فكرت يوماً لماذا قد يجيبك الذكاء الاصطناعي من منظور يخالف قناعاتك تماماً؟
لا يتعلق الأمر هنا بمجرد عطل تقني، بل بما يُعرف بـ "نماذج الذكاء الاصطناعي المتحيزة ". يأتي هذا الانحياز غالباً من القيود والضوابط التي يفرضها مطورو هذه التقنيات، وقد يتسلل بشكل خفي عندما تُدرّب النماذج على بيانات وقرارات بشرية سابقة تحمل في طياتها تحيزات مسبقة، فلو دُرب النموذج مثلاً على بيانات توظيف تفضل فئة معينة على أساس الجندر، سيعتبر النموذج أن هذا النمط هو المعيار المثالي الذي يجب اتباعه. ورغم خطورة هذه القرارات الآنية، إلا أن الخطر الأكبر يكمن في "توثيق الأحداث الحالية". فهذه الحقبة تختلف عن أي وقت مضى بفضل اعتمادنا الكلي على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في أرشفة تفاصيل حياتنا السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسلوكية.
وفي ظل سياسات الدول المتزايدة في حوكمة البيانات وتنظيمها، وفرض سياسات الحظر والتقييد على محتوى معين، فإننا نشهد عملية "غربلة" ممنهجة للمعلومات، مما سيؤدي حتماً إلى طمس جوانب عديدة، وضياع الحقوق التاريخية والأرشفة الإلكترونية للكثير من القضايا، لتتحول الذاكرة الرقمية للمستقبل إلى رواية أحادية الجانب! وهذا يعني بأن الذاكرة الرقمية أصبحت اليوم تحت مقصلة الحوكمة والحظر.
خوارزميات تشبهنا.. مرآة البشر المكسورة
ان الذكاء الاصطناعي بطبيعته لا يبتكر الأفكار من الفراغ، بل هو انعكاس دقيق للمجتمعات التي أنجبته. عندما يُغذى النظام بمليارات النصوص والصور والقرارات التاريخية، فإنه يتعلم الأنماط السائدة لا الحقائق المطلقة.
فعلى سبيل المثال قطاعات مثل القضاء، أو تقييم الائتمان المالي، أو حتى اتخاذ القرارات المتعلق بحياة الفرد والمجتمع، حيث أثبتت التجارب المتكررة أن النماذج تعيد إنتاج التحيزات العنصرية أو الجندرية المتجذرة في البيانات الأصلية. وهنا تكمن الخطورة الكبرى في إضفاء "شرعية رقمية" على الظلم البشري المتحيز، إذ يميل الناس بطبيعتهم إلى تصديق الأحكام الصادرة عن الآلة على اعتبار أنها محايدة وموضوعية، متجاهلين أنها مجرد صدى لمرآة بشرية مكسورة.
من يملك الأرشيف الرقمي.. يملك المستقبل!
الأجيال القادمة لن تعود إلى الأرشيفات الورقية التقليدية أو الروايات الشفهية، بل ستستقي فهمها لتاريخنا الحديث من محركات البحث ، والمساعدين الأذكياء، ونماذج اللغات الكبرى واكبر دليل على ذلك قيام الكونغرس الأمريكي في العام 2010 بأرشفة التغريدات العامة على منصة تويتر سابقا منصة X حالياً.
وهنا يبرز التحدي الوجودي: إذا تمت هندسة هذه النماذج وتطهير أرشيفاتها بناءً على مصالح سياسية أو قيود بحتة، فكيف ستُنظر إلى صراعات اليوم وقضاياه العادلة غداً؟ إن خطورة الذكاء الاصطناعي المتحيز لا تتوقف عند حدود تقديم إجابة خاطئة أو منحازة اليوم، بل تكمن في قدرته على إعادة كتابة تاريخ الإنسانية برمتها، وتثبيت سردية المنتصر أو المسيطر على التكنولوجيا باعتبارها الحقيقة المطلقة الوحيدة.
إن مواجهة هذا التحدي المتسارع لا تتطلب فقط تحسين الخوارزميات وتقليل التحيز التقني، بل تستوجب وعياً إنسانياً بحماية حرية تداول المعلومات.
لذا، بات لزاماً دعم مبادرات الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر (Open Source) واللامركزي التي تمنح المجتمعات حق التحكم ببياناتها، إلى جانب حماية الأرشيفات الرقمية المستقلة من مقصلة الحظر والحذف الممنهج. إن معركة الأرشفة الرقمية اليوم هي في الواقع معركة على حقنا في أن نُروى كما نحن، لا كما يراد لنا أن نُرى، وهي الضمانة الوحيدة لئلا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لاختطاف الذاكرة الإنسانية وتوجيه المستقبل.
وفيما يتعلق بواقعنا الفلسطيني والواقع العربي المحيط بنا لابد لنا من إعادة رسم مكانتنا على الخريطة الدولية في وضع ضوابط ومعايير للذكاء الاصطناعي بورقة موحدة تضمن تكيفها مع طبيعتنا وتضمن النزاهة والشفافية وعدم التحيز وفرضها على كل التقنيات التي يستخدمها الذكاء الاصطناعي الذي يستخدمه مواطنو هذه الرقعة الجغرافية ولتصبح نموذجاً يحتذى به عالمياً وان تتحول هذه التقنيات من مجرد ذكاء اصطناعي الى نماذج ذكاء اصطناعي مسؤول.